السيد عبد الأعلى السبزواري
47
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
الدنيا والإعراض عن تكميل النفس بالكمالات والتخلّق بمكارم الأخلاق ، والسبب في ذلك هو حبّ الدنيا الّذي يعدّ رأس كلّ خطيئة ، كما في الحديث . قوله تعالى : لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ . بيان للآية السابقة ، أي : لا ينتسبون إلى المؤمنين ليعدّوا منهم حقيقة ، ولا إلى الكفّار ليعدّوا منهم بالكليّة ، وإنّما يميلون مع كلّ ريح ويطلبون النفع في انحيازهم إلى الطائفتين . قوله تعالى : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . تعليل لما سبق ، أي من لم يوفقه اللّه تعالى فهو ضال لم يهتد إلى سبيل ؛ لأنّهم اتّصفوا بتلك الصفات المهلكة الموبقة ، فلم يهيئوا أنفسهم لنيل الفيوضات الربوبيّة والوصول إلى المقامات الكريمة ، ولم يستعدّوا للتوفيق ولم يصلحوا للهداية ، فأضلّهم اللّه عن السبيل ، فلا سبيل لهم ليوصلهم إلى الحقّ والكمال . والخطاب في الآية الشريفة عامّ يشمل الجميع ؛ ليكون رادعا لهم عن سلوك السبل حتّى تؤدّي بهم إلى الهلاك وإعراض اللّه تعالى عنهم وسلب التوفيق عنهم . وقيل : إنّ المراد من السبيل هو المذهب والدين الحقّ ، وهو يرجع إلى الأوّل أيضا ، فإنّ المتديّن بالحقّ قد اكتسب واقتنى أهمّ الكمالات الواقعيّة والعواقب الحميدة . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ . خطاب للمؤمنين بعد بيان صفات المنافقين وما أوجب إضلال أنفسهم وعدم اهتدائهم سبيلا يفضي بهم إلى الحقّ . والآية الشريفة تحذّر المؤمنين عن أهمّ ما يوجب ضعف إيمانهم والدخول في زمرة المنافقين ، وتعظهم بعدم التقرّب إلى ما يوجب سخط اللّه تعالى ، وإشارة إلى أهمّ تلك الموبقات ، ألا وهي ولاية الكافرين الّتي هي صنيع المنافقين ، وإلّا كانوا مثلهم ، وتؤكّد الآية الكريمة النهي السابق عن موالاة الكافرين الّتي هي حبّهم